لست أدري اذا كان كثيرون، مثلي، عندما يسمعون اسم الدكتور عبد الرب ادريس، يتذكرون اغنية «ليلة عمر»، فلقد ارتبطت هذه الاغنية بهذا الفنان بشكل يتجاوز الكثير من أعماله، كما وضعته في دائرة «جماهيرية» أخذت تتسع وتمتد حتى وصلت الى أوجها، في اعتقادي، مع شريطه الأخير «أنا.. أنت» فعبد الرب ادريس ظل الى حد ما «نخبويا» نسمعه في اوقات وأمسيات خاصة، ونعتز بثقافته الموسيقية الرفيعة وترجمته لهذه الثقافة بإحساس فني عال وحساسية فنان مرهف.
غير ان «ليلة عمر» كانت نقلة، ربما لنا وله على السواء، وسحبنا معها وبعدها الى عالم آخر، وصل الى الجمهور العريض والى «الفيديو كليب». هكذا اتذكر وضعه وأقارنه ببافاروتي الذي ظل كلاسيكيا وأوبراليا الى ان وقف فوق مدرجات افتتاح الألعاب الأولمبية، ليصل صوته منذ ذلك الوقت الى الأجيال الجديدة والسواق والعمال وكل جماهير موسيقى «البلوز» و«البوب» والموسيقى العربية ايضا وغيرها.
وفي شريطه الجديد يعود عبد الرب ادريس ليغرف من التراث الموسيقي الخليجي، ومن تلك «الآبار» التي اهملت أو ظن الكثيرون انها اندثرت، إلا انه بحاسة الباحث والمجدد عرف كيف يعود اليها وينفض عنها ذلك النسيان ويعيد نغمتها، مجددا ومطورا، لتنسجم مع الأذن الجديدة. وأرجو ألا أكون مبالغة اذا قلت ان ما قدمه من اغنيات في هذا الشريط، وفي هذا المجال بالذات، كان بمثابة إجلاء واعادة ترتيب لما التصق بهذه الأذن العربية الجديدة من ضوضاء. وقد ظهرت هذه العودة «الخليجية» المجددة بارزة ومؤثرة في اغنيات عديدة من الشريط، أهمها «الله يديم المحبة» التأليف (مساعد الشمراني) و«مالهم صوت» التأليف، الأمير بدر بن عبد المحسن) و«فاتك نص عمرك» التأليف (محمد القرني) و«غمض عيونك» التأليف (راشد الجابري). لكن هذه الاغنيات رغم كل ما حققته من وفاء للنغم الخليجي وللطرب وكذلك من مهارة مبدعها في عمليات تقابل وتعارض الألحان وتنميقها وزخرفتها، لم تستطع ان تتجاوز الايقاع السريع، ايقاع العصر، والنفحة المدنية المتجددة التي برزت بقوة وامتياز كما في اغنية «جيران» التأليف (أحمد الشرقاوي) و«أرخى الهدب» التأليف (عبد الله الجوري) و«أنت الكل بالكل» التأليف (سامي الجمعان) و«أنا.. أنت» التأليف (الأمير بدر بن عبد المحسن). فأغنية جيران، التي تستحق في اعتقادي ان تكون قاعدة هذا الشريط، بمعنى ان يحمل الشريط اسمها.. كانت حقا اغنية غير عادية بمقدار بساطتها، ومميزة بمقدار ما استطاعت ان تنساب الى روح وأعماق مستمعها، وفي هذه الأغنية وظف المايسترو طارق عاكف الذي نجح في توزيع اغنيات الشريط، حركة الجيتار والكمان في افتتاح جميل ومؤثر يعبر عن حالات المساء والغروب ويمهد لحركة أخرى كأنها مزيج من الأوكرديون والأورغ، وهي الحركة التي تميز هذه الأغنية بأجواء السهر وما يتخلله من صفاء واحاديث حميمة ومزاح وشعور بألق خاص.
عندما سمعت هذه الاغنية للمرة الأولى، احسست انها اغنية وضعت حقا لترافقنا في امسيات هادئة تثير شجنا لا يصل التفاعل معه الى ذروته إلا في ذلك الجو الحميم من السهر، خاصة عندما يقول:
جيران يا ليل ما ادري حسيت هاليوم بعمري حالي يا حالي وهي اللي في بالي واسهر انا في عيونها الليل أو عندما يقول:
«حسيت باعجاب وبغيرة يا أشواق يا هموم يا حيرة».
كذلك انتبهت وانا اعيد السماع لأغنيات عديدة في الشريط، ان عبد الرب ادريس يمكنه ان يرافقنا طوال اليوم، فهو يهدينا اغنيات صباحية، مرحة ومتألقة كأنها جاءت لتزيح النعاس وتحتفل مع الكبار بالنشاط ومع الصغار باللعب. هذا الجو يصلنا مع أغنية «غمض عيونك» ولعلها مفارقة ان تقول كلماتها «غمض عيونك» فيما يطالبنا اللحن باليقظة والحركة، غير ان الصحو الذي يطالب به المؤلف والملحن على السواء، هو صحوة العقل والاحساس.
«غمض عيونك وخللي القلب صاحي لا تفتح العين وأنت قلبي نايم» واذا كانت هذه الاغنية وزميلتها «فاتك نص عمرك» تحتفلان في الصباح، فإن اغنية «انت الكل بالكل» تحتفل بساعات الضحى عندما يفكر الانسان للحظة وسط انشغاله، بوجه حميم أو حبيب. أما «ارخي الهدب» فهي اغنية بعد الظهر، عندما يتسكع الشباب في الاسواق تاركين للعين ان تتخيل وتغازل، حركتهم كحركة الأورغ والعود والكمان في الاغنية، شابة نشطة وحيوية:
«ارخي الهدب وسع حدود الظل خلَّي الكل يتظلل» أما اغنية «أنا.. أنت» فيمكنها ان تكون اغنية صباحية وظهرية وعصرية وغروبية بامتياز! وذلك في قدرتها على التغلغل الى حواس مستمعها ومداعبة احساسه بالمرح والغزل. وقد خطر لي ان بعض كلماتها كأنها ترد على قصيدة نزار قباني «لا تسألوني ما اسمه حبيبي» فهذا هو الشاعر يقول:
«لو سألوك حبيبي عن اسمي حبيبي قل هذا.. أنا» ثم يبتعد الشعر هنا عن الوصف القباني ليذهب الى تناغم وتشابك حالات الاعجاب والدلال والغزل: «تشبهني عيونك سمّيني المدى...» يمكن القول أيضا ان احساس عبد الرب ادريس يبدو مميزا وشديد التفاعل مع الاغنيات التي يكتبها الشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن، ولقد احسست بهذا منذ اغنية «ليلة عمر» والآن ومع هذه الأغنية وأغنية «ما لهم صوت» يكاد هذا الاحساس يقوى ويرسو، فرغم الجو المختلف لكلتا الاغنيتين، حيث تبدو «ما لهم صوت» اغنية بعد الظهر، الكئيبة والمتوجسة إلا انها مُنحت الطاقة نفسها من الاحساس الموسيقي ونبرة الصوت والتفاعل في الاداء. إن صوت عبد الرب ادريس في هاتين الأغنيتين يزداد انفعالا، ويبدو ان ثمة انسجاما، أو ما نسميه في الادب، صدقا فنيا عاليا، بالحالة الشعرية. صدق أقوى من المهارة والحرفة، فعندما يردد بلحن عالي النبرة:
«ما لهم صوت غربوا والزمان سكوت ليتهم ما قربوا...» فإنه يؤرجح الصوت بين البوح والألم الدفين والشكوى ليتصاعد الاحساس وكأنه يناجي نفسه في كلمات:
«التجافي موت.. موت».
ومع هذه الأغنية يحتفي المؤلف والموزع بآلة العود ليصل الينا شجن خاص وكأنه يصور حالة التساؤل والغياب المفعمة بحرارة المزاج والجو معاً. إن هذا الاحتفاء الموسيقي يبدو واضحا وقويا وكأنه يخصص لكل أغنية احتفاء بالآلة وكأنه ينبهنا الى ذلك التزاوج والتفاعل بين آلات الشرق والغرب وايقاعات بيئة الصحراء والجبل والريف والمدينة. وتبقى اغنيتان في الشريط تنفردان بخاصية أخرى وهما «الشكوى لله» تأليف (الناصر) و«ما حنا قد المقام» تأليف (محمد بن حسين) وهي ميزة الاغنية الطربية الكلاسيكية، حيث الايقاع البطيء والحزين الممهور بتنهدات تتيح المجال للتأمل والذهاب مع الموسيقى الى أبعاد أخرى غير مألوفة. أما أغنية «أول تجيني» التأليف (أحمد بن طاهر) فكأنها ترد على جو المقام العراقي مطورة ومجددة بالنغمة والآلات والتوزيع وصوت الكورس الهادئ والشجي.
ولقد أعاد عبد الرب ادريس الى الكورس في هذا الشريط دوره المكمل والمساند للاغنية، وكانت اختيارات ذكية، في معظم الاغنيات، لكورس الرجال بأصواتهم الفخمة، أو كورس النساء بأصواتهن الرقيقة وكانت كلها تضيف الى الأداء قوة وتماسكا وتزيد من احساس مستمعها ومن متعته.
وتبقى كلمة أخيرة، فعبد الرب ادريس لم يختر عرض العضلات الشعري واللحني، وقد يمكن ألا تكون كلمات الاغاني التي اختارها ـ مع استثناءات قليلة ـ إلا كلمات بسيطة وعادية، تقدم الصورة الشعرية السائدة، الا انها بالموسيقى استطاعت ان تصل الى آفاق أخرى أبعد مدى من معانيها المحددة، عندما تكتب أو تقرأ، وهذا المدى هو ثراؤها الجديد عندما تجرفها الموسيقى الى سرعة أخرى وايقاع آخر ونغم يحتفي بالحب بعمق وأصالة وتجديد.
ومع كل هذا الاحتفاء بالحب والموسيقى إلا ان عبد الرب ادريس لم يحتف بنفسه في صورة غلاف الشريط، وكان يمكن ان تكون الصورة أفضل وأكثر تلقائية.

