مطلوب أشكال متحضرة من المقاومة الطويلة
نشرت بجريدة الشرق الاوسط 15/4/2002
تحدث هنري كيسنجر الى قناة «سي. ان. ان»، قبل ايام قليلة، بكل البرود الذي يشبه التماثيل، ولم تكن على وجهه اي مسحة انسانية، وهذا ليس رأيي، بل ملاحظة جارتي الاميركية/الجامايكية التي كانت تشاهد معي نشرة الاخبار.
كيسنجر لم يأت بجديد، لكن تأكيده في هذا الوقت بالذات، يحمل ابعادا اخرى: ليس هناك دولة فلسطينية الآن، بل ليس هناك اي مجال للحديث عن سلطة فلسطينية، وما سيقام هو بعض المناطق المتفرقة التي يجب ان تسيج بأحزمة اسرائيلية، والتي يمكن لـ«هؤلاء» الفلسطينيين العيش فيها، ومن الممكن ان يشرف على شؤونهم اليومية «نوع» من السلطة، التي ينبغي ان تعود الى السلطة الإسرائيلية في الشوؤن الاساسية، واذا اثبت الفلسطينيون، في المرحلة المقبلة، قدرتهم على التعايش مع الإسرائيليين، فبالإمكان عندها فتح ملف الحديث عن السلطة الفلسطينية المستقلة، اي ما يمكن ان نسميه بالحكم الذاتي، اما الحديث عن «الدولة» فعلينا ان ننساه في هذه المرحلة.
كيسنجر قال ما يمكن تلخيصه كالتالي: ان كل هذه الضوضاء ولعبة المطالبات والتوقعات ليست اكثر من مشهد من المسرحية الحقيقية التي ستبدأ بعد فترة، والتي، كما يبدو، سوف تستمر طويلا، ليس لأنها ستحقق النجاح الجماهيري، بل لأنها ستبدأ اعلان حقيقة موجعة وليست صادمة اذا ما اراد احدنا ألا يخدع نفسه او يصدق أمنياته.
ما حدث ويحدث منذ 11 سبتمبر (ايلول)، ثم منذ 29 مارس (آذار)، مشاهد متتالية من مسرحية الجنون الذي اراد الكبار ان يصفوا فيها حساباتهم مع من يظنوا انهم صبية يمكن تأديبهم، وفي الوقت الذي قدموا لنا فيها مشاهد مثيرة تدفعنا لمزيد من الانتظار والتوقع. كان هناك من يضحك خفية لأنه يعلم ان لا مظاهرة ولا مقال ولا حتى عملية انتحارية، قادرة على ان تنهي من الرأس تلك الاستراتيجية التي تُعتمد بغير حكمة وبكثير من الغرور الفج وغير الانساني.
لم نفاجأ اذن بما حدث، ولن نفاجأ بما سيحدث، فهذه اصداء ما حدث تتناقلها وتعيشها ثلاثة أجيال، صور الترحيل عام 48 تستمر، وصور المذابح والإجلاء عام 67 و82 وغيرها متواصلة، وفي كل مرة تردد الاجيال الحكاية، ويعاد عرض المسرحية بممثلين جدد وبنظرة اكثر عصرية من جهة السلاح، واقل تحضرا من جهة الاخلاق. اما نحن فجماهيرنا تشبه تلك الجولة الاولمبية التي يسلم فيها كل لاعب الشعلة الى البطل الذي يليه، لكن الفرق ان الالعاب الاولمبية تتغير وتتقبل قوانين جديدة. اما نحن فما زالت قوانينا كما هي، فنحن نجيد الحفاظ عليها كجزء من العادات والتقاليد، واهمها، ان تقمع مظاهراتنا ليكون فيها في كل مرة شهيد نستمر من خلال ذكراه في التحريض على مزيد من الاستشهاد، وتستمر فيها السلطة على اداء «الواجب» نفسه من دون ان تتعلم من الدرس، ومن دون ان تتركنا لنتعلم.
ولأني، هنا، لا انوي اللعب في ملعب غيري، أي في الكتابة السياسية المباشرة، الا أني لا استطيع الا ان اقترب من هذه الحدود لأشير الى نواح قد لا نضعها في الاعتبار في كل مرة يزداد فيها الاعتداء ويُحاول خنقنا وامتصاص مزيد من دمائنا.
اشعر مثل كثيرين من زميلاتي وزملائي من المثقفين المستقلين، الذين عاشوا وخبروا تجارب عديدة من اشكال الظلم والاعتداء الداخلي والخارجي، وكانت وما زالت فلسطين شعلة الامل التي تساعد على التنفس، انه لا بد من الحديث عما هو انساني وما هو حضاري حتى في اصعب واقسى واشرس هذه الظروف، او اذا ما اتفقنا ان لكل نظرية سياسية جانبها الاخلاقي، فإن هذا الامر الاخير هو من مسؤوليتنا، نحن الذين نكتب في جوانب الحياة الاخرى، في هامش المجتمع والثقافة والابداع.
وارى ان نلاحظ الامور التالية في معركتنا القادمة التي متوقع ان تكون طويلة الامد:
ـ النظرة الاخلاقية الانسانية الى كل شخص يختلف معنا في العقيدة، وعدم تعميم الغيظ والرفض العصابي لكل «يهودي»، وعدم الاعتداء على انسانيته اذا اردناه الا يعتدى على انسانيتنا، وخاصة من يعيش مثلنا في البلدان الاوروبية.
ـ عدم الخجل من هويتنا وقناعاتنا، ومحاولة تقديمها بأسلوب منطقي وعلمي، ولا اقول هذا من اجل ان نقنع الاجانب، فليس من واجبنا ان نقنعهم، لكني أعني ألا يتقوقع كل منا داخل جاليته او بيئته او رفاقه في النضال، ويقفل عينيه واذنيه عن وجهات النظر الاخرى، وكأن اي «آخر» هو من غير البشر! ـ ان ننفتح على الرد السريع الذي يصحح معلومة خاطئة تقدمها وسائل الاعلام الغربية، فما نقول عنه اعلاما غربيا ليس شبحا او جهة واحدة متماسكة، فخلال اسبوع واحد شاهدت على شاشة القناة الثانية البريطانية ثلاث وجهات نظر يمررها مقدمون ومراسلون، واذا كان جيرمي بوهيم، مثلا معروف باعتداله حيث قدم وجهات النظر المختلفة للفلسطينيين والاسرائيليين المعتدلين، على القناة الاولى، فإن جيرمي بوكسمان حاصر السياسيين الاسرائيلين وواجههم، ليس حرصا على مشاعرنا، بل لأنه يريد ان يقدم خدمة اعلامية يرى انها جيدة من وجهة نظره. اما مراسل القناة في القدس فقد كان كل همه ان ينتزع من صائب عريقات ادانة للعنف بعد حادث تفجير الحافلة الاخير في حيفا، وفي الوقت الذي ابتعد فيه المراسل عن ذكر تفصيلة واحدة من مآسي جنين ونابلس، فضل ان يذهب الى احد مراكز السلطة الفلسطينية التي أخليت في طولكرم، وصور المبنى الذي لم يهدم بعد، وكأنه يريد ان يقول لمشاهده ان الاسرائيليين لم يدمروا مراكز السلطة، بل ان الفلسطينيين هم الذين تركوها وابتعدوا، وهذا غير صحيح. والغريب ان جارتي «الغربية» لاحظته مثلي وسمعت تعليقها وكأنه تعليق اي عربي. فإذا كانت هذه الاساليب مختلفة تماما في التعامل مع قضية واحدة، فمن المنطق اذن ان نبعد هذا التعميم الذي الفه كثيرون منا وللأسف. ومن جانب آخر، وبدلا من اجترار ما نعرفه مع من نعرفه أرى ان مخاطبة المراسل او الكاتب او المذيع والتعليق على تفصيلة معينة والاستمرار والمواظبة على ذلك يرسي عادة، ان لم تكن مفيدة او حسنة، فهي في اعتقادي ليست سيئة على الاطلاق، ولعلنا تلمسنا بعض ايجابياتها من خلال فاكسات كانت القناة الاولى في التلفزيون البريطاني تقدمها في نشرة الاخبار الصباحية ومنها من مشاهدين ومشاهدات من العرب.
ـ اعتقد انه آن أوان تقبل فكرة التجمعات والمجموعات التي تود ممارسة العمل الانساني والخيري، من دون ان تكون مرتبطة بجهة سياسية معينة او حزب. فمثل هذه المجموعات تستطيع ان تحرك الالاف من القدرات المعطلة التي قد لا تجد نفسها ـ لأسباب مختلفة ـ مع تيار سياسي معين او مع طائفة دينية. ومن جهة أخرى أعتقد ان الانفتاح على الجمعيات والمؤسسات الانسانية الغربية، التي تعمل بصدق قد يدهشنا في هذا المجال، وتنظر الى القضية الفلسطينية والعربية من منظور انساني معتدل وعادل، هو لا شك من مصلحتنا.
ـ على كل ام تجد نفسها اليوم أمام السؤال الحائر الذي يطرحه ابناؤها اليافعون عن فلسطين واسرائيل والعدو والقهر والظلم والاعتداء، ان تكون مسلحة بأجوبة منطقية ومقنعة بعيدا عن شعارات القتل والقتل المضاد، بل بالفهم العميق لجزء من معضلة تراجيدية صعبة يمكن ان يكون المشهد الاخير من احد فواصلها، شبه تفاهم ودولة فلسطينية، بدلا من تسليح صاخب بعاطفة جياشة قادت ثلاثة اجيال الى يأس او قهر أو دوامة مستمرة من الغضب، وزادت من شراسة المعتدي.
 
 
 © ALL RIGHTS RESERVED
DESIGN & DEVELOPMENT