يبدو الحزن دائما اقوى من التعبير عنه، فالكلمات كثيرا ما تكون جوفاء، خاصة عندما اتذكر رسوم محمود كحيل واقول له، كل مرة، انك تفكر عنا وتعبر عن انفعالنا ومعاناتنا، انت الاكثر قوة وجرأة. لهذا اخبىء الان حزني لأحكي لكم عن جاري الحكيم الوسيم والذي ظل وسيما وحكيما منذ كنت اراه نجما في بيروت عندما كنت متدربة لفترة في مجلة الحسناء وملحق النهار، الى ان اصبحت جارته ومكتبه يواجه مكتبي في الطابق الأول من شركتنا في لندن. احكي لكم عن جاري الصامت المبتسم القادم كل يوم بلباس بسيط انيق، لم اره الا نادرا ببدلة رسمية وربطة عنق، خطوته بطيئة، يتمشى احيانا ويشرب كأس ماء او يأخذ كيسا صغيرا من رقائق البطاطا. كأنه ظله، لكننا نحس بحضوره القوي، امر قرب غرفته واحاذر ان استخدم آلة النسخ حتى لا اخدش الصمت حوله. في ساعات ما بعد الظهيرة يبدأ الرسم، يميل بكرسيه الى جانب المكتب وارى لوحة الكرتون في حضنه والاوراق والاقلام حوله، عندها كان يغلق صوت التلفزيون الخافت الذي يتابعه في ساعات الصباح. كنت احس بصمته، صمت الفنان واتعلم منه، واحب ان اقلده، محظوظون نحن الذين تسنى لنا ان نراه كل يوم، وبمقدار هذا الحظ يتصاعد حزننا. وكنت محظوظة عندما تابعت معه مسابقة الكاريكاتير التي كانت اجرتها مجلة الجديدة، وكان مشرفا عليها، يقول لي سنجلس بعد الساعة الرابعة، بعد ان اسلم الرسم للجريدة وارتاح، وكنت استرق النظر من باب غرفته الذي كان مفتوحا دائما، واحس بانهماكه، عناقه للوحته كان معبرا ومدهشا وصمته يكاد يكون اسطورة لأننا في اليوم التالي حين نفتح صفحة كحيل فإننا نقرأ كل ما تشابك في وجداننا ومشاعرنا ومنطقنا ولحظات تأملنا. اتعلم كل يوم من لوحته كيف يكون الفن كريما وهائلا في بساطته ووضوحه وكيف يستطيع ان يفضح اي فذلكة او مواربة او ادعاء، ايضا تشير لي لوحاته الى معنى الحكمة في القدرة على التعايش مع الحدث وتجاوز مآزق الانفعال. ولكن بمقدار هذا الهدوء الحكيم كان هناك ما يضج في بساطة لوحة محمود كحيل وفي كلماته القليلة وسخريته النبيلة. كان يسخر من الاوضاع لا من الاشخاص وكان يكتم غيظه الشخصي ويستبدله بالفن، وهذا ما كان يضفي على اعماله سمة البقاء ويحوله في انظارنا الى طيف او ملاك، وكم سعدت بثقته حين كنت اختار الاعمال المشاركة في المسابقة وانسقها، كان كريما في الملاحظات وحريصا وعادلا وفي كل هذا كان هادئا ودقيقا هدوء ودقة المعلمين الكبار.
لكنه كان يتفجر احيانا بصوت عال وكلمات صافية وصاخبة او ضاحكة، وهذه اللحظات تمر مثل سحابة او نسمة، اسمع خلالها لهجته البيروتية والطرابلسية ومفردات عامية تعيدني الى الطفولة والصبا ولكن تلك الموجة الصاخبة كانت نادرة يعود بعدها هدوء كحيل المعتاد ويتحول الى طفل خجول في كل مرة نعبر له فيها عن اعجابنا او تأثرنا بلوحة.
ظل يشعرني دائما مثلما يشعر جميع من يعرفه انه الاخ والصديق والقريب وكم كنت احتاج بين وقت وآخر اليه فأكون في لحظات امام كرسي اعتراف ويكون البلسم بكلمات قليلة وابتسامة تستطيع ان تطرد كل خوف او انزعاج، مؤكدة حكمة ما قل ودل.
بعد احداث 11 سبتمبر 2001 كنت مأخوذة بلوحته التي نشرتها مجلة المجلة.. الطائرة التي تخترق شمال الكرة الارضية وتخرج بالحطام من جنوبها، قلت له سأعلق هذه اللوحة في بيتي، كانت دموعي ابلغ تعبير عما تعنيه لي اللوحة، وفي اليوم التالي اهداني الرسم الاصلي قائلا: علقي هذه.. انها أسمَك!
من محمود كحيل احتفظ بالكثير الذي يقهر الحزن ويتجاوز الزمن ليقول لي الى نهاية عمري: الكبار لا يموتون.

