نعم.. ليصبح الحدث عاما وعالميا
سامحوني اذ اكتب بانفعال، ومع ذلك لن اكرر ما قيل من تعليقات عن الحدث المفجع عندما سقط الصغير محمد الدرة، وهو الطفل الأعزل الذي كان يريد العبور، قتيلا في ساحة معركة غير متكافئة، طرفاها شباب غاضب لأن حقه يغتصب كل يوم ويستفز، وعسكر تحركه حفنة من الحاقدين وتحوله الى ادوات حرب شرسة لا نهاية لها.
كلنا تابعنا ونتابع الاحداث، وكلنا ما زلنا تحت تأثير الغضب والفاجعة، ومع هذا، اجد ان من اهم ما قيل ومن اهم ما يمكن ان يصبح منطلقا لفعل، هو ما كتبه الزميل عبد الرحمن الراشد يوم الاربعاء الماضي وما كتبه الزميل بكر عويضة في اليوم التالي.
نعم، اضم صوتي الى الصوتين للمطالبة بمحاكمة من تسبب في اندلاع هذا الغضب ومطالبة ومساندة الاثرياء والمؤسسات والمنظمات الانسانية بشن حملة اعلامية واعلانية تفضح اوامر شارون السرية، في زمن يقال لنا فيه كل يوم عن محطات سلام نفتقد ابسط شروطه وهي العدل والاحترام.
ربما ما زلنا نستطيع ان نقول: طيب ولا احد من العقلاء يرفض السلام، ولكن هذا لا يعني انه ليس باستطاعتنا ان نستثمر الغضب في رحلة السلام الموعودة، ولكي لا يبقى غضب المثقفين والاعلاميين سلبيا، يتوقع المرء ان تترجم المشاعر نفسها الى مواقف، فهذا الزمن يريد لغة اخرى، لغة تتحول الى اداة فاعلة لا تمتص مشاعر الأسى او النفور، ان هذه اللغة تنتشر في الغرب وتتحول كل يوم الى قوة تعمل على التغيير بل وتحققه. انها تحويل الحدث الصغير الى موقف عام يستقطب الاهتمام ثم التعاطف ثم التكتل. لقد استطاع حدث في بريطانيا يهم عائلة صغيرة ان يصبح حدثا عاما حرّض على تغيير في القانون، بل غير بعض البنود، وكان ذلك عندما نهضت ام الطفلة الصغيرة سارة التي لم تتجاوز التاسعة من العمر، واغتصبت ثم قتلت، لترفع لواء الشجاعة وتحيل الفاجعة العائلية الى قضية عامة، رأينا بريطانيا بكل مؤسساتها وجمعياتها الخاصة والعامة تساند الام الثكلى لتطالب بتغيير بنود في قانون اغتصاب الاطفال وكشف هوية الفاعلين وطردهم من الاحياء السكنية، اي عزلهم عن الابرياء. وهذا الصباح تكرر الموقف، اي تحويل الحدث الخاص الى العام مع العائلات التي فقدت افرادا منها او اقارب في حادث اصطدام قطارين في محطة بادنجتون اللندنية. الاخبار توقفت عند ذكرى الحدث الذي وقع قبل عام. نقلت لحظات الصمت احتراما لذكرى القتلى، وذكرت بحملات الدعوة التي بدأتها عائلاتهم والتي استطاعت ان تغير من قوانين سير القطارات وتحديد السرعة وقوانين الاشارات الضوئية وغيرها.
هذه امثلة صغيرة وعابرة ولكنها تذكر بأن البكاء والاحزان والغضب لا تكفي، ولعلها تطرح علينا بعض الاسئلة مثل:
الا يفترض تحويل فاجعة ام محمد الى حملة تطالب بمحاكمة من اطلق النار عليه عنوة ومعاقبته؟ وهذا لن يحدث الا اذا اجتمع حول الام الثكلى عقلاء يستطيعون تأطير مشاعر اللوعة وتحويلها الى رمز وفعل انساني لا يقدر احد على رفضه بحجة انه يدخل في خانة السياسة! الا يفترض ان تبدأ توجهات من المؤسسات الانسانية ومن فروع المنظمات الانسانية العالمية في المنطقة العربية لمساندة دعوة نشر اعلانات عن فضائح شارون وتقديم الاعلان الصريح لاغتيال الابرياء المنسيين؟
لعل هذا ابسط اشكال الرفض العاقل، وحتى لا يقال اننا نسيء فهم رحلة السلام، ربما يفترض ان نمد لائحة توقيعات من لندن الى المنطقة العربية والعالم نؤكد فيها اننا لا نطالب الا ببنود السلام الضرورية، وهي الاحترام والقياس بمقياس واحد فمحمد الدرة ليس طفلا قتيلا، بل رمزا سافرا لضحايا احد مجرمي الحرب الذين يتشدقون بالسلام وكأنه نكتة قديمة بائخة.اما كلمة الرئيس الاميركي المتعاطفة والعابرة فلعل حملة تقودها ام محمد تستطيع ان ترد عليها فعلا لا قولا: قياسك هذا غير مضبوط وغير مقبول فبراءة محمد ليست اقل شأنا من براءة اطفال مدارس قتلهم اصدقاؤهم في بلدك تحت تأثير العنف والمخدرات واهتزت لمقتلهم اميركا وغيرت من قوانينها بعد ان اعلنت الحداد!
 
 
 © ALL RIGHTS RESERVED
DESIGN & DEVELOPMENT